السيد كمال الحيدري
36
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
المقدّمات وكذب النتيجة لا يستبطن تناقضاً ، فبالإمكان أن نفترض أن تلك الكمية المحدودة من القطع الحديدية قد تمدّدت بالحرارة فعلًا ونفترض في الوقت نفسه أن التعميم الاستقرائي القائل : « أن كلّ حديد يتمدّد بالحرارة » خطأ دون أن نقع في تناقض منطقيّ ، لأنّ هذا التعميم غير مستبطن في الافتراض الأول . وهكذا نعرف أنَّ منهج الاستدلال في الدليل الاستنباطي منطقيّ ويستمدّ مبرّره من مبدأ عدم التناقض ، خلافاً لذلك منهج الاستدلال في الدليل الاستقرائي فإنه لا يكفي لتبريره منطقياً مبدأ عدم التناقض ولا يمكن على أساس هذا المبدأ تفسير القفزة التي يصطنعها الدليل الاستقرائي في سيره من الخاصّ إلى العامّ وما تؤدّي إليه من ثغرة في تكوينه المنطقي . في ضوء ما تقدّم تبيّن أن الاستنباط هو كلّ استدلال لا تكبر نتيجته المقدّمات التي تكوّن منها ذلك الاستدلال ، وأن الاستقراء هو كلّ استدلال تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدّمات التي ساهمت في تكوينه . إلا أنه لابدَّ من الإشارة هنا إلى أن الدليل الاستقرائي يشمل الاستنتاج العلمي القائم على أساس الملاحظة والاستنتاج العلمي القائم على أساس التجربة بالمفهوم الحديث للملاحظة والتجربة . والمراد من الملاحظة اقتصار المستقرئ على مشاهدة سير الظاهرة كما تقع في الطبيعة لاكتشاف أسبابها وعلاقاتها . والمقصود بالتجربة تدخّل المستقرئ عملياً في تعديل سير الطبيعة وخلق الظاهرة الطبيعية موضوعة البحث في حالات شتى لاكتشاف تلك الأسباب والعلاقات . والفارق بين الملاحظة والتجربة هو الفارق بين من يدرس ظاهرة